من يملك وسائل الإعلام، يحوز قوة السيطرة على الرأي العام، ومما لا شك فيه أن هذه القدرة يتم استخدامها لكسب الحرب على الأرض، وهكذا تتحول كلمات المراسلين إلى رصاص، وتقارير الشبكات إلى قذائف مدفعية قاتلة.
وجد تحليل MintPress News (وهو موقع أمريكي يساري على الإنترنت) أنه وخلال أسبوع واحد قامت كل من شبكات الأخبار والصحف Fox News وThe New York Times وThe Washington Post وCNN وMSNBC بنشر ما يقرب من 1300 قصة صحفية منفصلة عن غزو أوكرانيا، وقصتان فقط عن الهجوم "الإسرائيلي" على سوريا، وقصة واحدة عن الصومال، ولا شيء في كل ذلك على الحرب التي تقودها السعودية على اليمن. دون أن نتحدث عن تغطية الاحتلال الصهيوني المستمر في فلسطين.
في الوقت الذي بدأت فيه روسيا عملياتها العسكرية في أوكرانيا، نفذت السعودية وحلفها العدواني على اليمن عشرات الغارات كما شن الكيان الصهيوني موجة من الهجمات الصاروخية القاتلة على سوريا كما استأنفت الولايات المتحدة حملة قصفها في الصومال.. ولا أحد ينتبه لهذا. أربع أحداث أساسية تقع في تزامن ولكن العالم، لا يرى إلا واحدة منها، وحسب الدراسة التي أجراها الموقع المذكور على خمس وسائل إعلام غربية كبرى، يبدو واضحًا أين تتجه المصابيح، وما الذي يتم تجاهله في عتمة تضليل الرأي العام العالمي.
تم جمع بيانات الدراسة باستخدام قاعدة بيانات Factiva الإخبارية، والتي تمت إحالتها بعد ذلك مع عمليات البحث على مواقع الويب الخاصة بالمواقع الإخبارية المعنية، وكذلك التحقق من عمليات البحث الدقيقة على Google لإنشاء حصيلة نهائية. وقد نشرت المنافذ الصحفية الخمس 1298 قصة عن أوكرانيا، بما يعني انه تم نشر قصة واحدة كل ساعة على مدار 24 ساعة في اليوم وعلى مدار أسبوع القتال الأول، وقد تفوق موقع FoxNews.com بأكثر من - 308 – بمعدل قصة كل 30 دقيقة، وكان هناك حسب الدراسة التي راجعتها (الهدف) اختلاف بين المنافذ، حيث تصدرت صفحاتها الأولى وأقسامها التحريرية عناوين الأخبار حول أوكرانيا، بينما لم تذكر الغارة الأمريكية على الصومال سوى في نيويورك تايمز، أما الهجمات على سوريا فذكرت على مضض في الواشنطن بوست ولم تقم فوكس نيوز وسي إن إن وإم إس إن بي سي بتغطية أي من الهجمات ضد الدول الأخرى على الإطلاق.
من الدلائل على مدى جدية وسائل الإعلام في التعامل مع الوضع الأوكراني عدد المقالات الافتتاحية التي نشرتها صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست. المقالات الافتتاحية هي مقالات مكتوبة بشكل جماعي من قبل كبار الموظفين حول قضايا تعتبر مهمة للغاية بحيث يجب على المنفذ أن يجعل قراءه على دراية بموقفهم الجماعي - وهو الموقف الذي يوجه التغطية المستقبلية. وكانت ثلاث من أربع مقالات افتتاحية نشرتها الصحيفة في ذلك الأسبوع عن أوكرانيا وتمحورت حول إدانة روسيا وإدانة الرئيس الروسي بوتين بسبب "عدوانه المحير" و"كراهية الأجانب والإمبريالية والفكرة المضللة بأن أوكرانيا هي في جوهرها تابعة لروسيا"، وفي الوقت نفسه، واشنطن بوست نشرت ست مقالات افتتاحية منفصلة حول هذا الموضوع، أدانت كل منها بوتين وأثنت على الرئيس جو بايدن لقيادته.
اليمن غير المرئي
في المقابل، لم تكن هناك تغطية تقريبًا للهجمات الأخيرة التي شنتها قوات العدوان السعودي على اليمن، في حملة تسببت بالفعل في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وقد اشتدت حدة الحرب المستمرة منذ سنوات، حيث كان يناير 2022 هو أسوأ شهر للضحايا المدنيين منذ بدء القتال في عام 2014.
وقد أفادت منظمة أطباء بلا حدود في 21 شباط/ فبراير بأنّ التحالف السعودي قصف أهدافًا في محافظة حجة شمال غرب اليمن، مما أسفر عن مقتل عدد من المدنيين وإصابة عدد أكبر بكثير وفي غضون ذلك قصفت طائرات حربية مدينة الحديدة الساحلية، وشهد اليوم التالي ضربات جوية وصواريخ استهدفت مناطق سكنية في محافظات الجوف ومأرب وتعز وصعدة.
وفي 24 شباط/ فبراير، يوم العملية الروسية في أوكرانيا، تعرّض اليمن لـ 37 غارة جوية منفصلة في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في حجة والبيضاء. في اليوم التالي، قصف التحالف السعودي صعدة بالمدفعية الثقيلة، مما أسفر عن مقتل ستة مدنيين على الأقل. كانت صعدة مركزاً لإراقة الدماء منذ بعض الوقت، حيث في كانون ثاني/ يناير، ألقى السعوديون قنبلة موجهة بالليزر من طراز "ريثيون" على مركز احتجاز هناك، مما أسفر عن مقتل 91 شخصًا وإصابة مئات آخرين.
هذه مجرد لمحة عن العنف، والمعلومات التي ليس من السهل الحصول عليها في الغرب أو من قبل من يفضلون متابعة وسائل الإعلام الغربية، أضف أنه في فترة 24 ساعة بين الخميس والجمعة، قام التحالف السعودي بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار في 147 مناسبة وموقع مختلف.
ولم تتم تغطية هذه الهجمات الأخيرة على الإطلاق من قبل فوكس نيوز وسي إن إن ونيويورك تايمز وواشنطن بوست أو إم إس إن بي سي. لم تكن اليمن في يوم من الأيام حربًا أثارت اهتمام وسائل الإعلام الأمريكية. في الواقع، على MSNBC، كانت هناك تغطية متعمقة لأوكرانيا في أسبوع واحد أكثر من الصراع في اليمن منذ أن بدأ في عام 2014. هذا كله على الرغم من أن مئات الآلاف من الناس قد لقوا حتفهم وبتقدير الأمم المتحدة وصل عدد الضحايا في اليمن إلى ما لا يقل عن 377000 بحلول نهاية عام 2021. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة هي مشارك مباشر في سفك دماء اليمنيين وقد كشفت دراسة أخرى لـ MintPress أن الولايات المتحدة باعت ما لا يقل عن 28 مليار دولار من الأسلحة إلى المملكة السعودية وحدها، وتوفر التدريب والدعم للرياض، عسكريًا ودبلوماسيًا، مما يساعد التحالف على مواصلة إراقة الدماء.
يجب ألا ننكر أنه كانت هناك بعض التغطية لليمن في الواشنطن بوست، لكن الأمر كله تمحور حول "العدوان" اليمني على السعودية وحلفائها الذين قُدِّموا على أنهم ضحايا. وشمل ذلك مقالاً عن كيفية فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على ما يسمى بـ "المتمردين الحوثيين" وقصة عن هجوم بطائرة بدون طيار على مطار سعودي، أشارت فيه أيضًا إلى أن "القتال في مدينة مأرب الاستراتيجية في الأشهر الماضية، أدى إلى زيادة هجمات الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة"، ولكن هذا المقال الفاسد لم يبلغ القراء أن مأرب ليست في المملكة السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، ولكن في اليمن - وهي حقيقة تقوض السرد حول من هو المعتدي- داخل اليمن، وفي الواقع إن الإشارة إلى حكومة الأمر الواقع الثورية في صنعاء باسم "الحوثيين" تعتبر ازدراء ونزع للشرعية لما يعتبر تحالفًا يضم العديد من الجماعات المختلفة وليس فقط أنصار الله.
الصومال وسوريا
في الأسبوع الماضي، استأنفت الولايات المتحدة حملة قصفها على الصومال، ثاني أفقر دولة في إفريقيا باستخدام طائرة بدون طيار، نفذ الجيش غارة جوية بالقرب من العاصمة مقديشو وهذا لم ينعكس في الإعلام على الرغم من أن الجيش الأمريكي أصدر بيانًا صحفيًا بشأن الغارة، والمنفذ الوحيد الذي غطاه الخبر هو صحيفة نيويورك تايمز، التي نشرت قصة بعنوان "الولايات المتحدة تنفذ أول غارة جوية في الصومال منذ أغسطس"، بعيدًا عن إدانة العمل باعتباره عدوانًا محيرًا ، كما حدث مع بوتين، برر العنوان الفرعي على الفور ذلك، مدعيًا أن "الضربة استهدفت مقاتلي الشباب الذين هاجموا قوات الأمن الصومالية الحليفة"، وهكذا، تم تأطير ضربة بطائرة بدون طيار على بلد على الجانب الآخر من العالم على أنها خطوة دفاعية ضرورية.
في غضون ذلك، تواصل "إسرائيل" هجماتها على سوريا، في حوالي الساعة 1 صباح 23 شباط/ فبراير، أطلقت صواريخ من مرتفعات الجولان على محافظة القنيطرة في جنوب غرب سوريا وفي اليوم التالي شنت هجومًا صاروخيًا على دمشق أسفر عن استشهاد ثلاثة جنود على الأقل كانوا متمركزين في ضواحي العاصمة، وكطريقة للتبرير، زعمت "إسرائيل" أنّ الجيش السوري كان يعمل مع حزب الله، وفي الأسابيع الأخيرة، قصف الجيش الصهيوني دمشق عدّة مرات، وبحسب ما ورد اخترقت طائراته النفاثة الأجواء السوريّة واللبنانيّة للقيام بذلك.
في هذه الجهود، العدوانية وغير القانونية بموجب القانون الدولي، تحصل "إسرائيل" على مساعدة من الولايات المتحدة، التي تزودها بما يقرب من 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية سنويًا. ناهيك عن الدعم السياسي الدبلوماسي الاستخباري المطلق، وتحتل القوات الأمريكية حاليًا مناطق كبيرة من سوريا، بما في ذلك مناطق إنتاج النفط في الشمال الشرقي، وتنسق باستمرار الإجراءات مع حليفها الصهيوني.
المنفذ الوحيد الذي غطى هذه الأعمال كان الواشنطن بوست، ولكن فقط عبر إعادة نشر مقالتين جافتين من خدمة الأخبار، أسوشيتد برس، دون إضافة أي تعليق أو خلفية، وبالتالي، تم التعامل مع الهجمات على أنها أعمال عادية ولا تستحق أي اهتمام تقريبًا.
على الرغم من أن التفاوت في كمية التغطية صارخ، من المهم أيضًا ملاحظة الاختلافات الهائلة في اللهجة والتوقعات، حيث أن وسائل الإعلام تزدحم بصور "أهداف العدوان الروسي"، وأننا كقراء مدعوون لأول مرة لمشاهدة الحرب من جانب الضحية، علاوة على ذلك، التغطية ليست جافة وواقعية، لكنها عاطفية ومليئة بالغضب، هذا أمر غير مسموع به تقريبًا عند الإبلاغ عن الحروب الغربية، وهو قرار واعٍ اتخذه من هم في القمة.
لنتذكر أفغانستان مثلاً، فبعد أسابيع من غزو الولايات المتحدة لهذا البلد البعيد جدًا عن شواطئها أرسل رئيس سي إن إن مذكرة إلى جميع الموظفين نصحهم بعبارات لا لبس فيها بالتقليل من معاناة الأفغان في قصصهم الإخبارية، مشيرًا إلى أنه "يبدو من المنحرف التركيز كثيرًا على الخسائر أو المصاعب في أفغانستان"، وقد ذهب تشيلسي مانينغ وجوليان أسانج إلى السجن لنشرهما صور ضحايا الحروب الأمريكية، ومع ذلك، فإن "ضحايا الروس" هم في المقدمة وفي المنتصف، حتى أن وسائل الإعلام ذهبت إلى حد الموافقة على الإبلاغ عن المدنيين الأوكرانيين الذين يصنعون ويستخدمون زجاجات المولوتوف ضد القوات الروسية.
بالنسبة للكثيرين، هذا التفاوت يتعلق ببساطة بالعنصرية، فأوكرانيا في الواقع ليست أسوأ حرب منذ الحرب العالمية الثانية كما كتبت الصحفية المقيمة في سريلانكا إندي ساماراجيفا، مشيرة إلى سوريا واليمن، "إنها ليست أسوأ حرب جارية الآن"، ولكن هي "مجرد أسوأ ما يحدث للبيض".
بالتأكيد، كان هناك قدر مروع من التعليقات العنصرية على وسائل الإعلام الخاصة بالشبكات، لا نريد ذكرها هنا ولكن على سبيل المثال قال تشارلي داجاتا مراسل شبكة سي بي إس نيوز الأجنبية من كييف: "هذه مدينة أوروبية متحضرة نسبيًا حيث لا تتوقع حدوث ذلك أو تأمل في حدوثه".
من جانبه، قدم مذيع قناة الجزيرة الإنجليزية بيتر دوبي تصريحات استشراقية مماثلة، معربًا عن قلقه على اللاجئين الأوكرانيين الأثرياء الفارين، بينما أظهر أيضًا ازدرائه للفقراء من غير البيض في نفس الظروف، قائلاً: ما هو مقنع هو مجرد النظر إليهم، طريقة لبسهم، هؤلاء أناس مزدهرون من الطبقة الوسطى، ومن الواضح أنهم ليسوا لاجئين يحاولون الهروب من مناطق في الشرق الأوسط لا تزال في حالة حرب كبيرة، هؤلاء ليسوا أشخاصًا يحاولون الابتعاد عن مناطق في شمال إفريقيا. إنهم يبدون مثل أي عائلة أوروبية تعيش بجوارها".
وأدلى آخرون بملاحظات مماثلة إذ قال نائب المدعي العام الأوكراني السابق، ديفيد ساكفاريليدزي، أثناء حديثه إلى بي بي سي، التي لم تطعن في البيان "إنه أمر مؤثر للغاية بالنسبة لي لأنني أرى أوروبيين بعيون زرقاء وشعر أشقر يقتلون". "لقد حدث ما لا يمكن تصوره.. هذه ليست دولة نامية من العالم الثالث؛ هذه هي أوروبا!". صرخت لوسي واتسون، مراسلة ITV News، بشرح باكي لسبب حاجتنا لمساعدة اللاجئين "يبدون مثلنا جدًا. هذا ما يجعل الأمر صادمًا للغاية" كتب العضو السابق في البرلمان الأوروبي دانييل حنان في الديلي تلغراف.
تلخيصًا لعربدة التحيّز العرضي كان الصحفي مايكل نولز في صحيفة ديلي واير، الذي غرّد: "لقد خطر لي أنّ هذه هي أول حرب كبرى بين الدول المتحضرة في حياتي".
أدى العدد الهائل من الشخصيات الإعلامية التي أعربت عن صدمتها لرؤية أناس "متحضرين" في هذا المأزق إلى قيام عدد من الجمعيات الصحفية من جنوب الكرة الأرضية بإصدار بيانات احتجاجيّة.
يعكس هذا النوع من التعليقات العقلية السائدة في الصحافة الغربية المتمثلة في تطبيع المأساة في أجزاء من العالم مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، وكتبت جمعية الصحفيين العرب والشرق الأوسط "إنها تجردهم من الإنسانية وتجعل تجربتهم مع الحرب طبيعية ومتوقعة إلى حد ما". و"فكرة أن الحرب هي شيء يحدث في أراض خارج الغرب هي فكرة بعيدة عن مجرد قصر نظر، إنه تحريف فادح لكامل تاريخ البشرية"، وأضافت رابطة الصحافة الأجنبية في إفريقيا أن "الأشخاص غير البيض ليسوا أكثر عرضة بالفطرة ويعودون للعنف والمعاناة".
العنصرية تختار ثيرانها التي ستذبحها
بينما تعتبر العنصرية عاملاً واضحًا في التغطية، يجب أن نتذكر أن قصف يوغوسلافيا - وهي دولة بيضاء يمكن مقارنتها بأوكرانيا - تم الاحتفال به ولم يتم رفضه. كان هذا في جزء كبير منه لأن الناتو كان هو المعتدي.
لطالما جادل علماء نظرية وسائل الإعلام بأن ضحايا العدوان الغربي يتم تجاهلهم إلى حد كبير، لكن ضحايا أعداء الغرب سيحتلون مركز الصدارة.
في عام 1988، طور الأكاديميان إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي نظريتهما حول الضحايا المستحقين مقابل غير المستحقين في كتابهما "الموافقة على التصنيع"، قارنا معًا تغطية عمليتي إبادة جماعية متزامنتين، واحدة في كمبوديا (دولة معادية) والأخرى نفذها الجيش الإندونيسي (بتمويل وتسليح حكومة الولايات المتحدة) في تيمور الشرقية، في حين أن وحشية الخمير الحمر الكمبوديين أصبحت أخبارًا عالمية، مع وصول الإبادة الجماعية في تيمور الشرقية إلى ذروتها، انخفضت التغطية إلى الصفر في وسائل الإعلام الرئيسية. وقادهم هذا وغيره من الأمثلة إلى استنتاج أن كلاً من كمية ونوعية تغطية الأعمال الوحشية تعتمد كليًا تقريبًا على عاملين: من هو الجاني ومن هو الضحية؟
إذا كان الجاني هو العدو، وكان هناك رأس مال سياسي يُجنى من تسليط الضوء على جريمته، فإن وسائل الإعلام ستعتبر الضحية "جديرة" - خاصة إذا كانت الضحية شخصية موالية للولايات المتحدة، ومع ذلك، إذا ماتت على يد الولايات المتحدة أو حلفائها، فيمكنك أن تتوقع القليل من التعاطف أو التغطية من وسائل الإعلام، خاصة إذا كنت شيوعيًا أو مسلمًا أو أي تسمية أخرى تجعلك لا تستحق اهتمام وسائل الإعلام.
في حالة أوكرانيا، الجاني هو دولة معادية (روسيا) والضحية حكومة موالية للغرب تسعى للانضمام إلى كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لكن في الحالات الثلاث الأخرى المفصلة هنا (الضربات الإسرائيلية على سوريا، والهجمات السعودية على اليمن، والهجمات الأمريكية على الصومال)، يكون المعتدي إما الولايات المتحدة نفسها أو حلفائها المقربين، بينما الضحية طرف عدو. ومن هنا النقص التام في التغطية، لذلك، سيكون هناك عدد قليل - إن وجد - من المقالات التي تدين الولايات المتحدة بسبب وحشيتها، ولا أي دعوات لإنشاء تحالف عسكري لمواجهة "إسرائيل"، أو لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين اليمنيين.
يعد تشغيل وإيقاف تشغيل الغضب طريقة أساسية يوافق بها مصنعو وسائل الإعلام على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وإخفاء بعض الأعمال الوحشية عن أعين الرأي العام ووضع الآخرين على الشاشات. لكي نكون واضحين، يجب أن يتصدر الغزو الروسي غير القانوني لأوكرانيا عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم، ويجب الحزن على الضحايا وإدانة الجناة، ومع ذلك، فإن التفاوت الهائل من حيث النوعية والكمية بين تغطية الهجمات على اليمن والصومال وسوريا والهجوم على أوكرانيا، الذي حظي باهتمام ما يقرب من 400 ضعف الآخرين مجتمعين، هو مثال صارخ آخر على مدى غضب وسائل الإعلام من الحرب، فقط عندما تريد أن تكون كذلك.
في حين أن الهجوم الصهيوني على سوريا والضربة الأمريكية على الصومال كانا حدثين ثانويين نسبيًا مقارنة بالغزو الروسي، وبالتالي يمكن القول إنهما يستحقان تغطية أقل، فإن الحرب السعودية المستمرة على اليمن ليست كذلك، وبينما كان هجوم أوكرانيا جديدًا، لم تحظ بداية الصراع اليمني باهتمام كبير في ذلك الوقت، علاوة على ذلك، فإن الأحداث الثلاثة هي نتيجة مباشرة للسياسة الأمريكية ويمكن إيقافها على الفور إذا كان الجمهور على دراية ومشاركًا بما فيه الكفاية، مما يجعل التغطية ذات أهمية خاصة للجماهير الأمريكيّة.

